لبنان: دولة أكثر من فاشلة

لبنان: دولة أكثر من فاشلة

ظهر مصطلح “الدولة الفاشلة” أول مرة في تسعينيات القرن الماضي لتوصيف حال “الصومال” الذي انزلق إلى الفوضى والصراعات الداخلية بعد انقلاب أطاح بالرئيس محمد سياد بري في عام 1991،  ومن بعدها توالت الدراسات والابحاث لتحديد هذا المفهوم من قبل مؤسسات سياسية عالمية و اقتصادية وحتى استخباراتية. ورغم انه لم يتم التوافق على تعريف موحد، إلّا أن تحديد الخصائص الأساسية للدولة الفاشلة كان متشابها عند جميع الأطراف.

تتنوّع الدول الفاشلة بين أنظمة غارقة في الحروب سواء كانت أهلية أو خارجية، وأخرى عاجزة عن فرض القانون على اراضيها أو حماية حدودها، أو تأمين الخدمات الأساسية لمواطنيها مثل الكهرباء والمياه والأعمال الادارية. والمفارقة أن لبنان جمع كل هذه المواصفات في حاله، ولم يعُد تعبير “دولة فاشلة” مصطلحاً تقنياً عابراً، بل هو حقيقة ثابتة، وواقعٌ مُعاشٌ ومتجذّر لا يَخفى على أحد.

كلام المبعوث الأميركي توم بارّاك أن “لبنان دولة فاشلة  لا يوجد بنك مركزي، والنظام المصرفي منهار، وستون مليار دولار اختفت من النظام المصرفي اللبناني، وتحصل على الكهرباء من المولدات الخاصة، وكذلك الماء والتعليم”، أثار حفيظة بعض السياسيين الذين اعترضوا على هذا التوصيف في محاولة مخزية للتهرّب من المسؤولية، وجرأة على الرفض والإنكار، وشاركهم في ذلك شريحة كبيرة من اللبنانيين ممن لم يفهموا بعد معاني وأبعاد أن تكون دولتهم، وما زالوا  يكابرون متخيّلين خلاف ذلك، ويعيشون على أحلام الماضي وأمجاده الزائلة. أما الحقيقة الجليّة والصادمة هي أن لبنان أكثر من دولة فاشلة، وبالبحث والتحليل، إضافة إلى الواقعِ المرير الذي يعاني منه غالبيةُ اللبنانيين في ظلال سلطة متخاذلة ومؤسسات متهالكة، نجد أن لبنان تخطى ترجمة هذا المصطلح إلى أبعد من ذلك، ففيه اجتمعت كل الموبقات والفضائح والآفاق المسدودة.

تصريح بارّاك  كان لطيفاً وديبلوماسياً، رغم أنه كرّس قناعة غربية بأن لبنان بات ميؤوساً منه وهو ” الدولة الوحيدة التي لا نرى أنها تحقق إنجازات كثيرة الآن”؛ فهو لم يعُد يملك مؤسسات سيادية حقيقية تقوم بواجباتها، وهيمنة السلاح غير الشرعي، وتواطؤ من هم في السلطة، والشلل الحكومي، والفساد الممنهج منذ عقود أدت كلها إلى تحويل لبنان إلى شبه ادارة محلية غير كفوءة، أكثر من كونه دولة فعلية.

وهنا نعود قليلاً إلى الوراء ونستذكر ما كتبه مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق دايفيد شينكر في “فورين بوليسي” في آب/ أغسطس 2023 حول ذكرى تفجير مرفأ بيروت بأنها “تسلّط الضوءَ على ثقافةِ الإفلات من العقاب المستمرة في لبنان، بما في ذلك دور البلاد الذي أصبح كملاذ للمجرمين والمشتبه بهم البارزين وغير البارزين المطلوبين في الخارج. وهذا جزء من مشكلة راسخة تساهم فيها الحكومة اللبنانية بشكل فعال”. ويتابع ليعطي الخلاصة بأن لبنان “أصبح دولةً فاشلة تعتمدُ على الدعم الدولي. و استمرارُ هذا الدعم بات مُهدَداً بسبب ازدراء بيروت للمساءلة”.

المجتمع الدولي ومعه العرب، يتعاملون منذ سنوات طويلة مع لبنان في ظلِّ انهيارِ النظام المصرفي، وشللِ القضاء والإدارات العامة كدولة تتداعى أركانُها وتتهاوى، فيما القناعة زادت إلى درجة التلويح بفرض وصاية “ما” عليه لانقاذه، أو لإعادة هندسة كل هيكليته النظامية والسياسية والاقتصادية.

ولمَنْ يَنفي فشلَ الدولةِ اللبنانية، رُبما يحتاجُ إلى عملية تنشيط لذاكرته، فنقدّم لمحة موجزة عن اربعة عناصر أساسية إذا فُقدت في دولة ما، فهي حتما فاشلة: السيطرة على اراضيها وحصرية القوة، والقدرة على اتخاذ القرارات الشرعية وتنفيذها، و تقديم الخدمات لمواطنيها مع كفاءة وفعالية الادارات العامة، وأخيراً، التفاعل مع الدول الأخرى أو تمثيل نفسها في المجتمع الدولي.

في لبنان، لا شيء من عناصر الدولة الحقيقية موجودٌ أو متوفّر. إنها عناصر موجودة بالأسماء، ومجرد قشور “تجميلية” تظهر في الإعلام واللقاءات العامة. فالدولة لا تحتكر السلاح، بوجود قوة مسلحة خارج اطار القانون والشرعية، تمارسُ العنف وتهدد الآخرين وتُشعل الحروب، وتتسبب في خلق الاضطرابات بين المواطنين أو تستخدم سلاحها داخلياً لفرض ارائها وكسر مواقف معارضيها، وفي المقابل نرى ضعفاً واضحاً للسلطة في فرض الأمن وتثبيت السيادة وهيبة القانون، كما إنها عاجزة عن حماية حدودها وأحياناً تفقد السيطرة على أجزاء من أراضيها. وفوق ذلك، تبدو مكوّنات المجتمع في خلافات سياسية وطائفية مزمنة، تهدد السلم والاستقرار، وقد تكون في أية لحظة سبباً لإندلاع حرب أهلية، بينما القضاء بعضه مسيّس أومكبّل أو خائف، وهذا يُعطّل ويُحبط مسار العدالة.

ومن معالم الدولة الفاشلة المترسخة في لبنان، أنها تُمارس – رغماً عنها- سياسةً تمييزية بين مواطنيها، فتواجهُ فئات منهم بالقوة و تفرض عليهم تطبيق النظام، فيما تُحابي فئةً اخرى وتتغاضى عن ارتكاباتها و ممارستها في مخالفة القوانين و الأنظمة والتهرّب من الضرائب والالتزامات القانونية.

ثم نصلُ إلى أمرٍ يعرفه اللبنانيون عن ظهر قلب ولا داعي لتذكيرهم به، وهو ضعف أو انعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، وتهالك الطرق، وغياب النقل المشترك بجميع أشكالها، إضافةً إلى إهمالٍ واضح لقطاعات المستشفيات والمستوصفات الحكومية والمدارس الرسمية، وسوء إدارة الموارد الطبيعية ومنها تنفيذ مشاريع دون جدوى، والاستهتار بمقدرات الدولة وأموالها وامكاناتها الاقتصادية و الثقافية والاجتماعية.

في الدولة الفاشلة، ولبنان خير مثال لها، لا يقف الأمر عند ما سبق، بل يسيطرُ الفسادُ المالي والإداري على ادارات الدولة وجميع مؤسساتها، ويضعف الناتج المحلي ونصيب الفرد منه، ويرتفع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة ومؤذية لغالبية افراد الشعب، وفقدان السيطرة على العملة المحلية والتلعب بها لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وقطاع مصرفي “بونزي” التوجه والممارسة، في وقت يعتبر البنك الدولي أن ما يجري في لبنان هو نتيجة مباشرة لفساد سياسي تاريخي، وإفلاس في الحوكمة جعل لبنان من أسوأ الأزمات المالية منذ القرن التاسع عشر.

بعد كل ذلك، تؤكدُ المقارنة البسيطة والسريعة بين واقع لبنان وتفاصيل هذه المعايير، بأن لبنان هو فعلاً أكثر من دولة فاشلة، وهو في مرتبة دنيا لم تصل المؤسسات العالمية بعد الى ابتكار تسمية لها، وتليق بحال لبنان كما هو اليوم.

وفي وقت تنهض دول العالم من أزماتها بخطط علمية ورؤى متطورة، يواصلُ لبنان إدارةَ الانهيار بالتسويف والمماطلة، والمخاطر بإضاعة الوقت وهدر الفرص، ويستبدل الإصلاح الحقيقي بمظاهر اعلامية تافهة، وتسويات جزئية، ومحاصصة بين القوى السياسية، ويتعامل مع موضوع وجودي وهو سلاح حزب الله بمياعة مخيفة، ونضيف إلى ذلك، ما ذكره مركز أبحاث الكونغرس في أواخر عام 2024، حول “خضوع الدولة اللبنانية لابتزازٍ دائم من قوى مسلحة غير شرعية، وأن سلاح حزب الله -تحديداً- يُشكّل العائق الرئيسي أمام أي إصلاح اقتصادي أو تمويل دولي”، ثم عاد وذكر في تقرير عام 2025، أن “لبنان يقف عند تقاطع معقّد من التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأن أي مسارٍ للمضي قدمًا سيتطلب دبلوماسيةً مُعقدةً وحوكمةً فعّالة ودعمًا دوليًا راسخًا.”

المجتمع الدولي سبق له وأبلغ من يَهمّه الأمر في لبنان أن المسألة تُختصر بعبارة واحدة: لا دولة مع السلاح، ولا إصلاح دون محاسبة، وأن الخيارات ضاقت؛ فإما استعادة الدولة واخراجها من الفوضى، وإما أن تبقى خارج إطار الوعي والحقيقة، وتبقى دولةً هشّة تعيش على فتات الإعانات باعتبارها “ملفاً انسانياً” لا دولة ذات سيادة.